ابن كثير
230
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ورواه أحمد وغيره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 46 إلى 49 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) يقول اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ أي سلبكم إياها كما أعطاكموها . كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [ الملك : 33 ] الآية ، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما ، الانتفاع الشرعي ، ولهذا قال وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ كما قال أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [ يونس : 31 ] وقال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] وقوله مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي هل أحد غير اللّه يقدر على رد ذلك إليكم ، إذا سلبه اللّه منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه ، ولهذا قال انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي نبينها ونوضحها ونفسرها ، دالة على أنه لا إله إلا اللّه ، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي ثم هم مع هذا البيان ، يصدفون أي يعرضون عن الحق ، ويصدون الناس عن اتباعه ، قال العوفي عن ابن عباس : يصدفون أي يعدلون ، وقال مجاهد وقتادة : يعرضون ، وقال السدي : يصدون « 1 » . وقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أي وأنتم لا تشعرون به ، حتى بغتكم وفجأكم ، أَوْ جَهْرَةً أي ظاهرا عيانا ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك باللّه ، وينجوا الذين كانوا يعبدون اللّه وحده لا شريك له ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، كقوله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ الآية ، وقوله وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي مبشرين عباد اللّه المؤمنين بالخيرات ، ومنذرين من كفر باللّه النقمات والعقوبات ، ولهذا قال فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به ، وأصلح عمله باتباعه إياهم ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي بالنسبة لما يستقبلونه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها ، اللّه وليهم فيما خلفوه ، وحافظهم فيما تركوه ، ثم قال وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي ينالهم العذاب ، بما كفروا بما جاءت به الرسل ، وخرجوا عن أوامر اللّه وطاعته ، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته .
--> ( 1 ) الآثار عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في تفسير الطبري 5 / 195 .